أراي العاصمة/نيويورك
أكد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، في كلمة العراق أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مضي الحكومة في ترسيخ سلطة الدولة وحصر السلاح بيد مؤسساتها الدستورية، بالتوازي مع بناء اقتصاد متنوع وجذب الاستثمارات وتعزيز موقع العراق بوصفه جسراً للحوار والتعاون ومركزاً للطاقة والتجارة في المنطقة.
وقال الزيدي إنه يقف أمام المحفل الدولي ممثلاً جمهورية العراق، “بلد الحضارات الأولى ومهد الكتابة والقانون”، مجدداً التزام العراق، بوصفه من الدول المؤسسة للأمم المتحدة، بميثاق المنظمة ومبادئها.
الدولة والسلاح والسيادة
وأكد رئيس الوزراء أن رؤية العراق تنطلق من الإرادة الوطنية في استعادة هيبة القانون وتقوية مؤسسات الدولة وترسيخ ثقة المواطنين بها، مشدداً على أن الحكومة ماضية في أن تكون الدولة صاحبة القرار في السلم والحرب، وأن يبقى السلاح وأدوات القوة بيد مؤسساتها الدستورية.
وأوضح أن الإجراءات التنفيذية في هذا المجال تسير بالاتجاه الصحيح، باعتبارها أساساً لبناء دولة المؤسسات وحماية السيادة وتثبيت الاستقرار وتهيئة البيئة اللازمة للتنمية والاستثمار.
وأشار إلى أنه مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، تتجه العلاقة مع الشركاء الاستراتيجيين نحو مرحلة جديدة تنتقل من التعاون العسكري إلى التعاون الاقتصادي والتنموي، مع مواصلة بناء القدرات الأمنية والعسكرية العراقية لحماية الأرض والشعب والسيادة.
مكافحة الفساد وبناء اقتصاد جديد
وأكد الزيدي أن حكومته تخوض معركة مكافحة الفساد وحماية المال العام، وتمضي في معالجات جوهرية ومستدامة لرفع كفاءة الأداء وتحسين الخدمات.
وبيّن أن الحكومة تستهدف بناء دولة قوية واقتصاد متنوع وعصري يواكب التحولات التكنولوجية والرقمية العالمية، مع توفير بيئة آمنة للاستثمار الوطني والأجنبي والاستفادة من موارد العراق وفرصه في الطاقة والصناعة والزراعة والنقل والتكنولوجيا.
وأشار إلى أن الرؤية الاقتصادية تستهدف تقليل آثار الاقتصاد الريعي تدريجياً، وتعزيز سياسات السوق المفتوح وتنمية القدرات الإنتاجية والتصديرية والاستثمار في البنى التحتية والخدمات، إلى جانب دعم القطاع الخاص وتوفير التسهيلات والضمانات القانونية والضريبية والكمركية اللازمة لنمو الأعمال والتجارة الخارجية.
العراق مركز عالمي للطاقة
وقال رئيس الوزراء إن الحكومة تتبنى برنامجاً طموحاً لزيادة إنتاج النفط الخام بما يتناسب مع حجم الاحتياطيات المؤكدة، إلى جانب تطوير حقول الغاز والتوسع في قدرات التصفية وإنتاج المشتقات والصناعات البتروكيمياوية.
وأكد أن طموح الحكومة يتمثل في جعل العراق مركزاً عالمياً لإنتاج الطاقة، مستفيداً من إمكاناته في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي بصورة مستدامة.
وأعرب عن القلق إزاء التداعيات المرتبطة بحرية النقل والملاحة البحرية وما تسببت به من ارتفاع في أسعار الطاقة عالمياً، مؤكداً العمل على تنويع منافذ تصدير النفط وتطوير خطوط الطاقة وممراتها الرابطة بين العراق وتركيا والأردن وسوريا وصولاً إلى الأسواق العالمية.
طريق التنمية.. من الفاو إلى أوروبا
ووصف الزيدي مشروع طريق التنمية بأنه رؤية العراق الشاملة للتكامل والاندماج والاستقرار الإقليمي، وبوابة مهمة وممراً استراتيجياً للتجارة والاستثمار والصناعة والطاقة.
وأوضح أن المشروع يربط الشرق بالغرب، ابتداءً من ميناء الفاو الكبير وصولاً إلى تركيا ومنها إلى أوروبا، مؤكداً رغبة العراق في أن يكون المشروع متاحاً للشراكة مع جميع جيرانه وأصدقائه.
ودعا العالم إلى الاستثمار في العراق، مؤكداً أن البلاد تمتلك الموارد والسوق والموقع والإرادة لبناء اقتصاد جديد، وأن الحكومة تعمل على إقامة شراكات تحقق المصالح المتبادلة وتخلق فرص العمل وتنقل التكنولوجيا والمعرفة وتطور القدرات الإنتاجية.
من الصراع إلى التكامل
وأكد رئيس الوزراء أن الاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالحروب، بل بالمصالح المشتركة التي تجعل التعاون أكثر جدوى من الصراع، مشيراً إلى أن رؤية العراق تقوم على المساهمة في نقل المنطقة من الصراع إلى التكامل، ومن التنافس إلى التعاون، ومن استنزاف الموارد إلى استثمارها في التنمية.
وقال إن العراق يمد يده إلى الجميع على أساس احترام السيادة وعدم التدخل وحسن الجوار وتوثيق المصالح المتبادلة، واعتماد الحوار وسيلة لمعالجة الاختلافات.
وجدد موقف العراق الداعم للحوار والدبلوماسية ونزع فتيل الأزمات، إلى جانب إسناد الجهود الرامية إلى مرور التجارة عبر الأراضي العراقية وتوفير البدائل للممرات التجارية المعقدة.
فلسطين وقانون الأقوياء
واستحضر الزيدي نسخة مسلة الملك البابلي حمورابي الموجودة في مقر الأمم المتحدة وما جاء فيها من أن القوانين وضعت لمنع القوي من ظلم الضعيف، قائلاً إن عالم اليوم يشهد ظلم الضعفاء لأن “قانون الأقوياء هو من يحكم، وليس قوة القانون”.
وأكد أن القضية الفلسطينية تبقى حاضرة في أي حديث عن استقرار المنطقة، وأنه لن يكون هناك متسع للأمان في الشرق الأوسط دون حل عادل للقضية وإثبات حق الشعب الفلسطيني في أرضه وتقرير المصير وإقامة دولته ذات السيادة، مشدداً على ضرورة تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين.
المياه والمناخ والمخدرات
وأشار رئيس الوزراء إلى أن مفهوم الأمن لا يقتصر على وقف النزاعات، بل يمتد إلى مواجهة التغيرات المناخية والتصحر وشح المياه وما تسببه من تحديات تمس الأمن الغذائي العراقي.
وأكد تمسك العراق بحقوقه المائية المشروعة والعادلة، داعياً إلى إدارة مشتركة لموارد المياه وفق مبادئ التعاون والقانون الدولي.
كما أكد استمرار العراق في مواجهة الجريمة المنظمة والتعاون مع الدول لمكافحة تجارة المخدرات العابرة للحدود، داعياً إلى زيادة تبادل المعلومات والتنسيق الدولي لمواجهة هذا الخطر.
الشباب وحقوق الإنسان
وشدد الزيدي على أن الإنسان العراقي يمثل غاية جهود الحكومة، مؤكداً السعي لجعل الشباب محوراً حقيقياً لاقتصاد المستقبل من خلال التعليم وتنويع فرص العمل ودعم ريادة الأعمال ومجالات الاقتصاد الرقمي.
وأكد التزام الحكومة الدستوري بحماية حقوق الإنسان والحريات وتعزيز مشاركة المرأة ورعاية الطفولة والحفاظ على التنوع القومي والديني والثقافي.
“العراق قلب التاريخ ونبض الحاضر”
وفي ختام كلمته، دعا رئيس الوزراء إلى مزيد من الانفتاح على العراق بوصفه شريكاً قادراً على الإسهام في تعزيز الأمن والاستقرار وتسريع التنمية.
وقال الزيدي: “العراق لم يكن أبداً على الهامش، بل هو قلب التاريخ ونبض الحاضر، وهو جدير بالشراكة نحو المستقبل”.
وجدد دعم العراق لدور الأمم المتحدة، مثمناً جهودها والعمل المشترك الداعم للعراق من خلال بعثة “يونامي”، ومؤكداً السعي إلى تعاون منتج مع المنظمة وجهودها الرامية إلى تخفيف آثار الحروب وتداعيات الصراعات في العالم.




