أراي العاصمة / تقرير
أثار قرار الحكومة العراقية رفع سعر صرف الدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً موجة واسعة من الجدل الاقتصادي والسياسي، وسط تساؤلات بشأن الأسباب الحقيقية وراء القرار، وحجم الأموال التي ستدخل خزينة الدولة، والتداعيات المحتملة على رواتب الموظفين والأسعار والقدرة الشرائية للمواطنين.
وجاءت تصريحات رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي أمام مجلس النواب، الخميس 8 تشرين الأول 2026، لتكشف جانباً من الضغوط المالية التي تواجهها الحكومة، بعدما تحدث عن ديون تتجاوز 208 تريليونات دينار، وحاجة شهرية إلى 10 تريليونات دينار، وثلاثة خيارات صعبة كانت مطروحة لمواجهة الأزمة.
الزيدي: فرق الدولار كان يذهب إلى المضاربين
دافع رئيس الوزراء عن قرار تعديل سعر الصرف، مؤكداً أن المضاربين كانوا يستحوذون سابقاً على الفارق بين السعر الرسمي والسعر المتداول في السوق الموازية، وأن الحكومة تسعى إلى الاستفادة من هذا الفارق بدلاً من تركه للمضاربة.
ولفهم المعادلة التي طرحها الزيدي
يمكن مقارنة السعر الرسمي السابق البالغ 1320 ديناراً بسعر سوق موازية يبلغ 1600 دينار، ما يعني وجود فارق مقداره 280 ديناراً للدولار الواحد.
أما بعد تعديل السعر الرسمي إلى 1520 ديناراً، ومع افتراض تداول الدولار في السوق بسعر 1640 ديناراً، فإن الفارق ينخفض إلى 120 ديناراً فقط.
وبذلك يتقلص الفرق النظري بين السعرين بمقدار 160 ديناراً للدولار الواحد، لكن هذه المقارنة لا تثبت أن كامل المبلغ انتقل من المضاربين إلى خزينة الدولة، لأن تحديد المكسب الفعلي يتطلب معرفة حجم الدولارات المباعة وآليات التحويل والمستفيدين منها.
ثلاثة خيارات صعبة.. الادخار الإجباري أو تأخير الرواتب أو الاقتراض
كشف الزيدي أن الحكومة كانت أمام ثلاثة خيارات لمواجهة الضائقة المالية، تمثلت في اللجوء إلى الادخار الإجباري، أو توزيع رواتب الموظفين كل 45 يوماً بدلاً من صرفها شهرياً، أو الاتجاه نحو الاقتراض وزيادة الديون العامة.
وأوضح أن الحكومة لا ترغب في اللجوء إلى المزيد من الاقتراض، خصوصاً أن العراق مثقل أصلاً بالديون، مشيراً إلى أن الظروف الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز وتعطل صادرات النفط فرضت تحديات استثنائية على الاقتصاد.
وأكد أن حجم الدين العام عند تسلّمه المسؤولية تجاوز 208 تريليونات دينار، فيما تحتاج الحكومة إلى توفير نحو 10 تريليونات دينار شهرياً لتغطية التزاماتها، مبيناً أنها تمكنت رغم ذلك من تأمين الرواتب.
أين تكمن الفائدة المالية الحقيقية من رفع الدولار؟
وفق آلية الصرف الجديدة، ارتفع سعر شراء الدولار من وزارة المالية من 1300 إلى 1500 دينار، بينما ارتفع سعر البيع النهائي للمستفيدين من 1320 إلى 1520 ديناراً.
وهذا يعني أن وزارة المالية تحصل حسابياً على 200 دينار إضافي مقابل كل دولار من إيراداتها يجري تحويله إلى الدينار العراقي.
ولتوضيح ذلك، إذا جرى تحويل مليار دولار من الإيرادات الحكومية إلى العملة المحلية، فإن قيمته بالسعر السابق تبلغ 1.3 تريليون دينار، بينما تصبح بالسعر الجديد 1.5 تريليون دينار، أي بزيادة مقدارها 200 مليار دينار.
أما تحويل خمسة مليارات دولار، فيرفع القيمة بالدينار من 6.5 تريليونات إلى 7.5 تريليونات دينار، بفارق يبلغ تريليون دينار.
وهذه أمثلة حسابية وليست تقديرات رسمية للإيرادات الإضافية، إذ يجب احتساب النفقات الخارجية والالتزامات الحكومية بالدولار قبل تحديد المكسب الصافي.
المرسومي: الإيرادات الإضافية يجب أن تُحسب بعد استبعاد الالتزامات الخارجية
أوضح الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي أن احتساب الفائدة المالية من تخفيض قيمة الدينار لا ينبغي أن يعتمد على إجمالي الإيرادات النفطية، بل على صافي الإيرادات بعد استبعاد المدفوعات والالتزامات الخارجية بالدولار.
وطرح المرسومي مثالاً افتراضياً لإيرادات نفطية سنوية تبلغ 80 مليار دولار، تقابلها التزامات خارجية بقيمة 20 مليار دولار، ليكون صافي الإيرادات 60 مليار دولار.
وبحسب هذا المثال، فإن تحويل المبلغ بالسعر السابق البالغ 1300 دينار يوفر 78 تريليون دينار، مقابل 90 تريليوناً بالسعر الجديد البالغ 1500 دينار، أي بزيادة تبلغ 12 تريليون دينار سنوياً.
ويؤكد هذا التقدير أن المكاسب الفعلية تعتمد على صافي الإيرادات القابلة للتحويل، وليس على كامل المبيعات النفطية.
حنتوش: تراجع النفط والنفقات التشغيلية وراء الأزمة
من جانبه، ربط الخبير الاقتصادي مصطفى حنتوش قرار تعديل سعر الصرف بالضغوط المالية الناتجة عن تراجع الإيرادات النفطية، وإغلاق مضيق هرمز، وارتفاع الإنفاق التشغيلي والتعيينات.
وأشار إلى أن الإيرادات الحكومية بالدولار، عند تحويلها بالسعر السابق، لا تكفي لمواجهة حجم الالتزامات المالية، منتقداً ضعف تنمية مصادر الإيرادات غير النفطية وعدم استثمار إمكانات القطاع الخاص بالشكل المطلوب.
أما المحلل الاقتصادي محمد الصفار، فاعتبر في تصريح نقلته رويترز أن تخفيض قيمة الدينار يمثل استجابة مالية لصدمة الإيرادات النفطية، إذ يمنح الحكومة دنانير أكثر مقابل الدولار النفطي، لكنه يزيد في المقابل تكاليف الاستيراد ويضعف القدرة الشرائية للأسر.
الإطار التنسيقي يطرح سبعة مطالب لحماية الأسواق
سياسياً
طرح الإطار التنسيقي حزمة من المطالب للحكومة والبنك المركزي للحد من تداعيات تعديل سعر الصرف.
وشملت المطالب السيطرة على السوق الموازية والحد من المضاربة، وحماية أسعار المواد الغذائية والأدوية ومواد البناء، وإعفاء السلع الأساسية من الرسوم الجمركية لمدة ستة أشهر.
كما تضمنت المطالبة بخفض الأجور الدراسية في المؤسسات التعليمية الأهلية بنسبة 15%، وتشديد تحصيل المستحقات الضريبية من الشركات الكبرى والمصارف وشركات الاتصالات، وإنشاء صندوق لاستقرار سعر الصرف.
ودعا الإطار أيضاً إلى توجيه جزء من الإيرادات المتحققة من تعديل السعر نحو قروض للمشاريع الزراعية والصناعية، ومعالجة الآثار المترتبة على العقود الحكومية والمستوردين والمستثمرين.
وفي المقابل، نقلت وسائل إعلام عن رئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي تأكيده أن قرار تعديل سعر الصرف لن يُلغى، وأنه يحظى بدعم رؤساء الكتل السياسية.
كما قال عضو تيار الحكمة علي الجوراني إن أزمة السيولة كانت من أسباب القرار، مشيراً إلى حصوله على موافقة رؤساء الكتل وائتلاف إدارة الدولة، بحسب تصريحه.
ماذا خسر الموظف من قيمة راتبه؟
رغم عدم تخفيض الرواتب الاسمية، فإن تعديل سعر الصرف ينعكس على قيمتها عند تحويلها إلى الدولار.
فالموظف الذي يتقاضى مليون دينار كان راتبه يعادل نحو 758 دولاراً بالسعر الرسمي السابق البالغ 1320 ديناراً، بينما أصبح يعادل نحو 658 دولاراً بالسعر الجديد البالغ 1520 ديناراً.
أي أن القيمة الدولارية للراتب تراجعت حسابياً بنحو 100 دولار، دون أن يعني ذلك انخفاض قدرته الشرائية بالنسبة نفسها على جميع السلع والخدمات.
وتزداد المخاوف من تأثير القرار على أسعار السلع المستوردة والأدوية والمواد الغذائية والأجهزة، خصوصاً إذا لم تنجح الإجراءات الحكومية في ضبط السوق الموازية والحد من الزيادات غير المبررة.
أزمة النفط.. هل كان الدولار وسيلة لتعويض الإيرادات المفقودة؟
تكتسب تصريحات الزيدي أهمية إضافية في ظل اضطراب صادرات النفط العراقية، التي تشكل المصدر الرئيسي لإيرادات الدولة.
وبحسب تقرير لوكالة رويترز، تراجعت صادرات العراق إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً خلال آب، مقارنة بأكثر من 3.6 ملايين برميل يومياً قبل اضطرابات الحرب.
كما تشير تقديرات مشروع موازنة 2027، التي نقلتها الوكالة عن أعضاء في اللجنة المالية النيابية، إلى إنفاق يبلغ نحو 217 تريليون دينار وعجز يتجاوز 40 تريليوناً.
وهنا يبرز تفسير اقتصادي للقرار، مفاده أن الحكومة تحاول تعويض جزء من نقص الإيرادات بالدينار من خلال رفع قيمة تحويل الدولارات النفطية، بدلاً من الاعتماد الكامل على الاقتراض.
لكن هذا الإجراء لا يعوض النقص في كمية الدولارات الداخلة إلى البلاد، ولا يمثل بديلاً دائماً عن زيادة الصادرات وتنمية الإيرادات غير النفطية وترشيد الإنفاق.
أسئلة ما زالت تبحث عن إجابات
رغم دفاع الحكومة عن قرارها، لا تزال عدة أسئلة تحتاج إلى بيانات رسمية واضحة.
فكم تبلغ الأموال الإضافية التي ستحصل عليها الخزينة فعلياً بعد احتساب الالتزامات الخارجية؟
وما حجم الأرباح التي كان يحققها المضاربون من الفارق بين السعرين؟
وهل تمتلك الجهات الرقابية بيانات تثبت انتقال هذه المكاسب إلى الدولة؟
وكيف ستضمن الحكومة ألا يتحول رفع السعر الرسمي إلى موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات؟
وهل ستُستخدم الإيرادات الإضافية لتقليل الدين العام والعجز، أم لتمويل الإنفاق التشغيلي والرواتب؟
الخلاصة.. من يتحمل كلفة إنقاذ المالية العامة؟
تكشف تصريحات رئيس الوزراء وآراء الخبراء ومواقف القوى السياسية أن تعديل سعر صرف الدولار يرتبط بأزمة أوسع من المضاربة، تشمل تراجع الإيرادات النفطية، وارتفاع النفقات الحكومية، وضخامة الالتزامات والديون العامة.
فبينما ترى الحكومة أن تعديل السعر يساعد على توفير السيولة واستعادة جزء من الفارق الذي كان يستفيد منه المضاربون، يحذر اقتصاديون من انعكاساته على الاستيراد والأسعار والقوة الشرائية.
وبين الموقفين، تبقى البيانات المالية والرقابية هي الفيصل في تحديد مقدار ما كسبته الخزينة، ومدى استفادة الاقتصاد، والكلفة التي تحملها المواطن.
ويبقى السؤال الأبرز: هل نجحت الحكومة في نقل أرباح المضاربة إلى خزينة الدولة، أم أن المواطن سيتحمل جانباً من كلفة معالجة الأزمة المالية عبر انخفاض قيمة الدينار؟
أراي العاصمة | 9 تشرين الأول 2026
المادة تقرير اقتصادي تحليلي يستند إلى تصريحات منشورة وبيانات صحفية، ولا يمثل تحقيقاً موثقاً بسجلات مالية حصرية.
إعداد :حسين الفايز




