اقتصادتقارير

من النفط إلى جيب المواطن.. ماذا وراء رفع الدولار إلى 1520 ديناراً ومن يدفع كلفة القرار؟

أراي العاصمة – تقرير

دخل العراق مرحلة جديدة في سياسته النقدية بعد اعتماد سعر صرف جديد للدولار، ليرتفع سعر البيع النقدي للجمهور إلى 1520 ديناراً، في قرار فتح باباً واسعاً للتساؤلات بشأن دوافعه الاقتصادية وتوقيته، خصوصاً مع تراجع صادرات النفط واتساع احتياجات الموازنة، فيما تصاعدت التحذيرات من انعكاساته على أسعار السلع والقوة الشرائية للمواطن.

وحدد البنك المركزي سعر شراء الدولار من وزارة المالية بـ1500 دينار، وسعر بيعه للمصارف بـ1510 دنانير، وللجمهور بـ1520 ديناراً.

الحكومة: دعم الاقتصاد والإنتاج المحلي

في الرواية الرسمية، يقول البنك المركزي إن تعديل سعر الصرف يأتي ضمن إجراءات تستهدف تحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، مؤكداً أن الاحتياطيات الأجنبية كافية لتلبية طلبات تمويل التجارة والتحويلات الخارجية.

ويرى البنك أن السعر الجديد من شأنه دعم المنتج والصناعة المحلية، وتعزيز قدرة السلع العراقية على منافسة المستورد، وتشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية غير النفطية وتوفير فرص عمل جديدة.

لكن خلف هذه الأهداف المعلنة، تطرح الأرقام المالية والنفطية تفسيراً آخر للقرار.

النفط يتراجع.. والنفقات مستمرة

تراجعت صادرات العراق النفطية إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً في آب، بعدما كانت تتجاوز 3.6 مليون برميل يومياً قبل الاضطرابات المرتبطة بالحرب، في حين بُني مشروع موازنة 2027 على تصدير نحو 4 ملايين برميل يومياً.

وفي الوقت نفسه، يتضمن مشروع الموازنة إنفاقاً يقدر بنحو 217 تريليون دينار، مع عجز يتجاوز 40 تريليون دينار، ما يضع المالية العامة أمام فجوة بين الإيرادات المطلوبة وحجم الإنفاق المخطط.

وهنا تظهر أهمية سعر الصرف؛ فالعراق يحصل على معظم إيراداته النفطية بالدولار، بينما يدفع الرواتب والنفقات الداخلية بالدينار.

الفايز: دنانير أكثر من الدولارات نفسها

ويقدم الصحفي حسين الفايز قراءة مالية مبسطة لما يمكن أن يعنيه تغيير سعر الصرف بالنسبة إلى خزينة الدولة.

وقال الفايز بصفحته الشخصية وتابعته ـ«أراي العاصمة»: «العراق يبيع النفط بالدولار، لكنه يدفع الرواتب ومعظم نفقاته بالدينار. وعندما تنخفض صادرات النفط تقل الدولارات الداخلة إلى الخزينة، بينما تبقى الرواتب والالتزامات الحكومية مستمرة».

وأضاف: «لو دخلت إلى الدولة 50 مليار دولار، فإنها توفر بسعر 1320 نحو 66 تريليون دينار، لكن بسعر 1500 توفر 75 تريليون دينار. أي أن الدولة تحصل على نحو 9 تريليونات دينار إضافية من الدولارات نفسها، من دون بيع برميل نفط إضافي».

وتابع: «المشكلة أن لهذه المعادلة وجهاً آخر؛ الموظف الذي يتقاضى مليون دينار بقي راتبه مليوناً على الورق، لكنه كان يعادل نحو 758 دولاراً عند سعر 1320، بينما يعادل نحو 658 دولاراً عند سعر 1520، أي أن قيمته أمام الدولار تراجعت بنحو 13%».

وأكد الفايز أن «هذه قراءة مالية للقرار وليست بالضرورة السبب الحكومي المعلن، لكنها تفسر كيف يمكن أن يساعد تغيير سعر الصرف الخزينة على مواجهة تراجع الإيرادات، وفي المقابل ينقل جزءاً من الكلفة إلى القوة الشرائية للمواطن».

اقتصاديون: القرار يوفر سيولة دينارية للخزينة

هذه القراءة تتقاطع مع تحليل اقتصاديين للقرار؛ إذ قال المحلل الاقتصادي العراقي محمد الصفار إن خفض قيمة الدينار يمثل بالأساس استجابة مالية للصدمة التي تعرضت لها إيرادات العراق النفطية.

وبحسب تحليله، فإن تغيير سعر الصرف يسمح للحكومة بالحصول على كمية أكبر من الدينار مقابل كل دولار نفطي يدخل إليها، لكنه في الوقت نفسه يؤدي إلى زيادة كلفة الاستيراد وتراجع القوة الشرائية للأسر.

وتوضح وكالة «أسوشيتد برس» المعادلة ذاتها، إذ أشارت إلى أن اعتماد سعر صرف أعلى للدولار يسمح للدولة، التي تعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، بالحصول على عملة محلية أكثر مقابل الإيرادات الدولارية، مع احتمال انتقال الكلفة إلى المستهلك عبر ارتفاع أسعار المستوردات.

البرلمان يعترض: المواطن سيدفع الثمن

في المقابل، قوبل القرار بموجة اعتراضات داخل مجلس النواب.

النائبة هيام الياسري أعلنت رفضها رفع سعر الدولار، معتبرة أن معالجة الأزمة المالية يجب ألا تكون عبر تحميل الموظفين والمتقاعدين ومحدودي الدخل أعباء إضافية، ودعت بدلاً من ذلك إلى مكافحة الفساد وتنشيط المشاريع التي تعظم إيرادات الدولة.

كما أعلن النائب غالب محمد بدء جمع تواقيع نيابية لاستدعاء محافظ البنك المركزي ووزير المالية، والسعي إلى إلغاء قرار تغيير سعر الصرف.

وأعلنت النائبة ابتسام الهلالي رفضها للقرار أيضاً، محذرة من تأثيره المباشر في السوق وأسعار المواد الغذائية، ومؤكدة أن مجلس النواب سيكون له موقف من سعر الصرف عند مناقشة قانون الموازنة.

كما شهدت المواقف النيابية انتقادات من النائبين علي الازيرجاوي وحسين الدراجي؛ إذ حذر الأول من انعكاس القرار على الفئات الفقيرة، فيما اعتبر الدراجي أن رفع الدولار يعني تحميل المواطن جزءاً من كلفة معالجة الأزمة الاقتصادية.

بين الخزينة والمواطن

المعادلة التي تكشفها الأرقام تبدو واضحة: رفع سعر الدولار يمنح وزارة المالية دنانير أكثر مقابل كل دولار نفطي، وهو ما يوفر مساحة إضافية لتمويل النفقات الحكومية في وقت تتعرض فيه الإيرادات النفطية لضغوط.

لكن هذه الزيادة لا تعني خلق ثروة أو إيرادات دولارية جديدة؛ فالدولار نفسه أصبح يساوي كمية أكبر من الدينار.

وفي المقابل، يصبح الدينار الذي يتقاضاه الموظف والمتقاعد أقل قيمة أمام الدولار، فيما يبرز الخطر الأكبر إذا انتقل فرق سعر الصرف إلى أسعار الغذاء والأدوية والملابس والمواد الأولية وغيرها من السلع التي يعتمد العراق على استيرادها.

وبين تأكيد الحكومة أن القرار يستهدف الاستقرار الاقتصادي ودعم الصناعة والإنتاج المحلي، وتحذيرات اقتصاديين ونواب من تراجع القوة الشرائية، ستبقى نتائج القرار مرتبطة بما سيحدث في الأسواق خلال الفترة المقبلة، وقدرة الحكومة على منع انتقال كامل فرق سعر الصرف إلى أسعار السلع.

ويبقى السؤال الذي سيشغل العراقيين بعد انتقال الدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً:

هل نجحت الدولة في معالجة جزء من أزمتها المالية، أم أنها نقلت جزءاً من العجز من خزينة الدولة إلى جيب المواطن؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى