عربي ودولي

أوروبا تشتعل بالاحتجاجات.. فرنسا وإيطاليا في مواجهة الغضب الشعبي والأزمة تمتد لدول أخرى

أراي العاصمة/تقرير

تشهد القارة الأوروبية موجة واسعة من الاحتجاجات الشعبية والاضطرابات الاجتماعية، امتدت من فرنسا وإيطاليا إلى بلجيكا وإسبانيا والبرتغال وألبانيا، وسط تصاعد الغضب من ارتفاع تكاليف المعيشة وأزمات السكن وتراجع الخدمات العامة، فيما تحولت بعض التظاهرات إلى مواجهات عنيفة مع القوات الأمنية، أسفرت عن إصابات واعتقالات وأضرار بالممتلكات.

وتأتي هذه التطورات في مرحلة حساسة تواجه فيها الحكومات الأوروبية ضغوطاً اقتصادية وسياسية متزايدة، مع ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، واتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف الحياة اليومية، الأمر الذي دفع مئات الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بإصلاحات عاجلة.

فرنسا.. شرارة الغضب ومواجهات هي الأعنف منذ سنوات

تتصدر فرنسا المشهد الأوروبي بعدما شهدت مدنها احتجاجات حاشدة تحولت في بعض المناطق إلى أعمال عنف واشتباكات مع الشرطة، شملت العاصمة باريس ومدناً أخرى، بينها مرسيليا وليون وتولوز وليل.

وبدأت الاحتجاجات بمطالب طلابية تتعلق بنقص الكوادر التعليمية وتردي أوضاع المدارس، قبل أن تتوسع لتشمل الغلاء وتراجع الخدمات العامة والسياسات الاقتصادية للحكومة.

وشهدت التظاهرات مشاركة مئات الآلاف، فيما تعرضت متاجر ومبانٍ عامة للتخريب والحرائق، وسط تدخل أمني واسع واعتقال أعداد كبيرة من المحتجين.

وتواجه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون ضغوطاً متزايدة لاحتواء الغضب الشعبي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، في وقت حذرت فيه حكومات أجنبية مواطنيها من التجمعات الكبيرة في فرنسا بسبب تدهور الأوضاع الأمنية خلال الاحتجاجات.

إيطاليا.. اشتباكات في ميلانو وغضب من الغلاء

وفي إيطاليا، شهدت مدينتا ميلانو وبولونيا احتجاجات ضد ارتفاع تكاليف المعيشة والسياسات الاقتصادية، تحولت أجزاء منها إلى مواجهات مع القوات الأمنية.

وشهدت ميلانو اشتباكات عنيفة استخدمت خلالها الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، بعدما أقدم محتجون ملثمون على رشق القوات الأمنية بالحجارة وإضرام النيران في حواجز وسط المدينة.

وأسفرت المواجهات عن إصابة عناصر أمنية واعتقال عشرات المتظاهرين، فيما أدانت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أعمال العنف، مؤكدة حق المواطنين في التظاهر السلمي ورفض تحويل المدن إلى ساحات للفوضى.

وتعكس الاحتجاجات تصاعد الاستياء الشعبي من الأوضاع الاقتصادية، خصوصاً بين الشباب والعمال الذين يطالبون بتحسين الأجور ومعالجة ارتفاع الأسعار وتكاليف السكن

بلجيكا.. احتجاجات طلابية ومواجهات مع الشرطة

وامتدت الاضطرابات إلى بلجيكا، حيث شهدت العاصمة بروكسل ومدينة لييج احتجاجات مرتبطة بارتفاع تكاليف التعليم والإصلاحات الجامعية والأوضاع المعيشية.

وتحولت بعض التجمعات إلى مواجهات مع القوات الأمنية، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المحتجين.

وتخشى الأوساط السياسية من اتساع الاحتجاجات مع استمرار مطالب الطلبة والعمال بتحسين الخدمات وتخفيف الأعباء المالية

إسبانيا.. أزمة السكن تتحول إلى أزمة سياسية

أما إسبانيا، فتشهد احتجاجات متصاعدة بسبب ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات وصعوبة حصول الشباب والعائلات على مساكن بأسعار مناسبة.

وشهدت مدن إسبانية اعتصامات ونصب خيام احتجاجية للمطالبة بوضع ضوابط للإيجارات وتوفير مساكن ميسرة وحماية المستأجرين من الإخلاء.

وتسببت الأزمة بضغوط سياسية كبيرة على حكومة بيدرو سانشيز، بعدما تعثرت إجراءات تشريعية لمعالجة أزمة السكن، ما أسهم في الدفع نحو انتخابات مبكرة.

وتكشف الاحتجاجات عن أزمة اجتماعية متفاقمة، إذ بات امتلاك منزل أو استئجاره يشكل تحدياً كبيراً أمام شرائح واسعة من المواطنين

البرتغال.. عشرات الآلاف يحتجون على الأجور والسكن

وفي البرتغال، خرج عشرات الآلاف إلى شوارع العاصمة لشبونة احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الأجور وأزمة السكن.

وتشير التقارير إلى أن أسعار المنازل تضاعفت بأكثر من مرتين منذ عام 2017، فيما شهدت الإيجارات ارتفاعات كبيرة جعلت السكن عبئاً متزايداً على المواطنين.

وطالب المحتجون الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة لرفع الأجور وتحسين القدرة الشرائية وضمان الحصول على السكن، في حين أكدت السلطات أنها تعمل على معالجة الأوضاع الاقتصادية، مع رفض الاستجابة للضغوط الناتجة عن الاحتجاجات وحده

ألبانيا.. احتجاجات ضد الفساد ومطالب بإسقاط الحكومة

وفي ألبانيا، اتخذت الاحتجاجات طابعاً سياسياً أكثر وضوحاً، إذ خرج متظاهرون للمطالبة باستقالة حكومة رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد وتراجع الخدمات العامة وارتفاع البطالة.

وشهدت البلاد مواجهات بين المتظاهرين والقوات الأمنية، وسط مشاركة طلاب وشباب يطالبون بإصلاحات سياسية واقتصادية ومحاسبة المسؤولين.

وتعكس هذه الاحتجاجات حالة من فقدان الثقة بين قطاعات من المجتمع والمؤسسات الحكومية، مع استمرار المطالب بإجراء تغييرات سياسية واسعة.

لماذا تشتعل أوروبا في هذا التوقيت؟

رغم اختلاف الظروف السياسية والاقتصادية بين الدول الأوروبية، فإن الاحتجاجات تتقاطع عند مجموعة من الأسباب الرئيسية، أبرزها ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع القدرة الشرائية، وأزمة السكن، وضعف الأجور، وتردي بعض الخدمات التعليمية والعامة.

كما أسهمت الضغوط الاقتصادية المرتبطة بالتوترات الدولية وارتفاع تكاليف الطاقة في زيادة الأعباء على الأسر الأوروبية، بالتزامن مع مخاوف الشباب من البطالة وصعوبة تحقيق الاستقرار المعيشي.

ولا تمثل الاحتجاجات حركة سياسية موحدة أو منظمة على مستوى القارة، لكنها تكشف عن حالة استياء اجتماعي متزامنة في عدة دول، مع اختلاف المطالب بين الإصلاح الاقتصادي وتغيير السياسات الحكومية والمطالبة باستقالة بعض الحكومات

هل تواجه الحكومات الأوروبية خطر السقوط؟

تثير موجة الاحتجاجات تساؤلات بشأن قدرة الحكومات الأوروبية على احتواء الغضب الشعبي، خصوصاً مع اقتراب استحقاقات انتخابية مهمة في عدد من الدول.

وتواجه الحكومات تحدياً مزدوجاً يتمثل في الاستجابة للمطالب الاجتماعية والاقتصادية من جهة، والحفاظ على الأمن والاستقرار ومنع تحول الاحتجاجات السلمية إلى أعمال عنف من جهة أخرى.

ويرى مراقبون أن استمرار الضغوط المعيشية دون معالجات ملموسة قد يؤدي إلى اتساع الاحتجاجات والإضرابات، ويمنح الأحزاب المعارضة فرصة لتعزيز حضورها السياسي، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط الحكومات أو انتقال الاضطرابات إلى جميع الدول الأوروبية.

أوروبا أمام اختبار اقتصادي وسياسي

تكشف التطورات الأخيرة أن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية لم تعد مجرد ملفات داخل المؤسسات الحكومية الأوروبية، بل تحولت إلى مصدر غضب شعبي ينعكس بصورة مباشرة على الشوارع والاستقرار السياسي.

وبينما تحاول الحكومات احتواء الاحتجاجات عبر الإجراءات الأمنية والوعود الاقتصادية، يواصل المتظاهرون الضغط من أجل تحسين ظروف المعيشة وتوفير فرص العمل والسكن والخدمات.

وتبقى الأسئلة الأبرز: هل تنجح الحكومات الأوروبية في امتصاص الغضب الشعبي، أم تتسع موجة الاحتجاجات لتفرض تغييرات سياسية واقتصادية أكبر خلال المرحلة المقبلة؟**

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى