تقارير

جرف الصخر.. 12 عاماً بلا عودة: روايات عن تحركات الحلبوسي و«شروط قاآني» وملف سوراء تشعل القضية من جديد

أراي نيوز/العراق

اثنا عشر عاماً مرّت، وما زالت جرف الصخر واحدة من أكثر الملفات العراقية تعقيداً وحساسية؛ أهالٍ يطالبون بالعودة إلى منازلهم ومزارعهم، ومحافظة تتمسك بموقفها من المنطقة، وتحركات سياسية وقانونية متصاعدة أعادت القضية إلى الواجهة من جديد.

لكن الجدل هذه المرة لم يتوقف عند سؤال العودة، إذ ظهرت إلى العلن روايات عن مفاوضات جرت قبل سنوات وشروط رُفضت، بالتزامن مع إثارة ملف استحداث ناحية “سوراء” من قبل الباحث بشأن السياسي زيدون السلماني وإلحاق مقاطعات بها، فيما تحولت تصريحات شيخ عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي إلى قضية قانونية، ورد عليها محامون بإعلان الاستعداد للدفاع عنه وعن حق أهالي الجرف.

الطوفان: القضية بدأت عام 2019

وقال الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور أعياد الطوفان، في حديث لقناة “الحدث” تابعته أراي نيوز، إن قضية جرف الصخر ليست جديدة، وإن المطالبات بعودة الأهالي إلى منازلهم ومزارعهم بدأت عام 2019، وبدأها الشيخ خميس الخنجر وتوّجها رئيس مجلس النواب آنذاك محمد الحلبوسي، قبل أن تصل إلى ذروتها عام 2021.

وبحسب الطوفان، طالب الحلبوسي بصفته رئيساً لمجلس النواب بإعادة الأهالي، وقال في ذلك الوقت: “إذا أردتم الخلاص من الإرهاب رجعوا النازحين، ولا نقبل أي عمل أو تغيير ديمغرافي لتلك المناطق”.

وأضاف الطوفان أن الحلبوسي التقى في اليوم نفسه قائد فيلق القدس الإيراني إسماعيل قاآني وأبلغه بضرورة عودة الأهالي إلى جرف الصخر، إلا أن قاآني، بحسب رواية الطوفان، وضع شروطاً للعودة.

الطوفان يكشف ما وصفها بـ«شروط قاآني»

وقال الطوفان إن الشرط الأول كان السماح بالعودة إلى مركز جرف الصخر فقط، وهي منطقة “لا تتجاوز أربعة كيلومترات”، على أن يخضع الأهالي للتدقيق، مضيفاً أنه إذا كانت العائلة تضم 100 شخص وبينهم شخص واحد مطلوب، فإن العائلة بأكملها لا تعود، وهو ما وصفه الطوفان بأنه “انتقائية وغير صحيح”.

أما الشرط الثاني، وفق الطوفان، فكان عدم عودة أهالي القرى الأخرى الواقعة خارج المركز، وأن يتم تعويضهم في مكان آخر، إلى جانب التعويض المالي عن المزارع والبيوت.

وأكد الطوفان أن الحلبوسي رفض ذلك وقال: “الحق ليس لي، الحق لأهل الجرف، وأنا لست صاحب قرار، صاحب القرار هم أهل الأرض”.

وتابع أن الحلبوسي أبلغ شيخ عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي بالأمر، فرفض الجنابي الشروط وقال: “الأرض أرضنا ولن نتخلى عنها، وسنعود ولو بعد 200 سنة”.

وبحسب الطوفان، توجه الجنابي وأعيان وأهالي الجرف بعد ذلك إلى الحلبوسي، الذي أبلغهم بالشروط، ليعلنوا رفضها أيضاً، وقالوا إنهم لن يتركوا أرضهم “ولو بعد 200 سنة”.

اتصال بالكاظمي أمام أهالي الجرف

وقال الطوفان إن الحلبوسي اقترح بعد ذلك الاستماع إلى رأي رئيس الوزراء آنذاك مصطفى الكاظمي، واتصل به ووضع الهاتف على مكبر الصوت أمام الحاضرين، وأبلغه بتفاصيل ما طرحه قاآني، وقال له إن الجنابيين يستمعون إليه.

وبحسب رواية الطوفان، رد الكاظمي بأنه تواصل مع المرجعية الدينية العليا وأبلغها بتفاصيل القضية، ونقل عنها موقفاً مفاده: يُمنع تعويض الناس خارج أراضيهم وخلف النهر، والأرض لأهلها، ومن كان مجرماً أو متهماً يقدم إلى القضاء ويأخذ جزاءه، والباقي يعود إلى أهله.

وأضاف الطوفان أن الموقف الذي نقله الكاظمي أكد التعويض، لكن ليس عبر نقل الأهالي إلى خارج أراضيهم، وإنما تعويضهم عن السنوات التي مضت وعن منازلهم ومزارعهم التي دُمرت.

علي تركي: لا يمكن لأهالي الجرف العودة

وفي مقابل مطالبات العودة، كان لمحافظ بابل علي تركي الجمالي موقف مختلف أثار جدلاً واسعاً.

ففي مقابلة تلفزيونية في 14 حزيران 2026، قال تركي إن أهالي جرف الصخر لا يمكنهم العودة إلى المنطقة في الوقت الحالي، واعتبر أن الأراضي التي كانوا يشغلونها كانت بعقود زراعية انتهت صلاحيتها القانونية، كما أشار إلى أن عدداً من الأهالي يعيشون حالياً في مناطق أخرى من بابل.

ونُقل عنه قوله إن “سكان جرف الصخر لا يحق لهم العودة لأن الأرض ملك للدولة وعقودهم الزراعية منتهية”، مضيفاً أن “التضحية بناحية صغيرة أفضل من تهديد أمن محافظة أو عدة محافظات”.

وكان تركي قد اتخذ موقفاً مشابهاً قبل توليه منصب المحافظ، إذ نُقل عنه في مقابلة تلفزيونية عام 2023 قوله: “ملف جرف الصخر لا يمكن الخوض به، حيث لن يسمح بعودة الإرهاب إلى هذه المنطقة”.

وأثارت تصريحات المحافظ ردود فعل سياسية وعشائرية، من بينها موقف رئيس تحالف السيادة خميس الخنجر، الذي اعتبر منع الأهالي من العودة “مشروع تغيير ديمغرافي طائفي”، مؤكداً أن حق العودة لا يسقط بالتقادم.

عدنان الجنابي يعيد القضية إلى الواجهة

وعادت القضية بقوة خلال الأيام الأخيرة بعد تصريحات شيخ عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي، الذي اعتبر ما يحدث في جرف الصخر “احتلالاً وليس تحريراً”، لتثير تصريحاته ردود فعل في بابل، وتحركاً قانونياً ضده من مسؤولين في المحافظة.

وفي المقابل، تصاعدت مواقف التضامن مع الجنابي من شيوخ ووجهاء وإعلاميين ومحامين، بالتزامن مع انتشار هاشتاغ #الأرض_لأهلها.

العلواني: «جيش من المحامين» للدفاع عن الجنابي

وفي خضم التصعيد، أعلن المحامي والقيادي في حزب تقدم أنور إبراهيم العلواني، عبر صفحته على “فيسبوك”، تحركاً قانونياً للدفاع عن شيخ عشيرة الجنابيين عدنان الجنابي وعن حقوق أهالي جرف الصخر.

وأكد العلواني أن “جيشاً من المحامين” سيدافع عن الشيخ عدنان الجنابي وعن حق أهالي جرف الصخر، في مؤشر على انتقال القضية من السجال السياسي والإعلامي إلى مسار قانوني موازٍ.

«سوراء».. ملف آخر يدخل على خط جرف الصخر

وبالتزامن مع قضية العودة، برز ملف استحداث ناحية “سوراء”، بعدما أثار الباحث في الشأن السياسي زيدون السلماني قضية إلحاق مقاطعات بالناحية الجديدة، بينها مقاطعات قال إنها تعود إلى جرف الصخر وأخرى ضمن الحدود الإدارية لمحافظة الأنبار.

وتظهر منشورات سابقة للسلماني أنه اعتبر استحداث “سوراء” جزءاً مما وصفه بـ”التغيير الإداري الناعم الممنهج”، وقال إن الناحية استُقطعت من مقاطعة “9 هور حسين” التابعة لجرف الصخر.

وفي تصريح خاص لـأراي نيوز، قال السلماني بالحرف الواحد:

“في بداية الأمر، تعقيباً على إعادة أراضٍ تابعة للأنبار الواردة في كتاب محافظة بابل وقرارها بضمها لناحية سوراء، هل الأمر لا زال يعتبر تغييراً ديمغرافياً؟ نعم يعتبر تغييراً ديمغرافياً، حيث إننا وضحنا بأن الأمر لا يقتصر على أراضٍ محاذية لمحافظة الأنبار فحسب، بل أخذ مقاطعات من جرف الصخر وإلحاقها بناحية جديدة اسمها ناحية سوراء.”

وأضاف:

“واستحداث النواحي يخضع لقانون وشروط واعتبارات، ولا توجد أمور ملزمة سواء لوجستية أو خدمية لاستحداث هذه الناحية، ونوهنا في هذا الأمر لكن لم يستجب أحد.”

السلماني يعتب على تقدم والقوى السنية

وحمّل السلماني القوى السياسية السنية جانباً من مسؤولية عدم متابعة القضية منذ بدايتها، ومن بينها حزب تقدم، وقال:

“هل يعاب على حزب تقدم أو على أي من سياسيي السنة؟ نعم يعاب عليهم، حيث بالنهاية أنا أول من طرح الموضوع على وسائل الإعلام، وتخيل أن مجلس محافظة الأنبار لم يكن يعلم أصلاً بموضوع هذا الكتاب، وهذا الكتاب كان صادراً بشهر فبراير في عام 2025، ومن يقول تم إخفاء الأمر عنهم، كيف وأنا مواطن بسيط وصلني الأمر والمعلومات بالأدلة والوثائق؟ وهذا يعتبر تقصيراً أصلاً.”

وأضاف السلماني:

“طيب لنقل إنهم استعادوا أراضي الأنبار، ما هذه البيانات المخجلة التي تثمن دور مجلس بابل؟ ألم يكن الأجدر بهم الذهاب باتجاه فتح تحقيق ومحاسبة المسؤول المقصر؟ هل قامت بابل بإبلاغ الأنبار بهذا الأمر سابقاً؟ وإذا تم الإبلاغ فيجب مراجعة سجلات الأنبار وفهم من كان مقصراً، وإذا لم يتم الإبلاغ فيجب أن تتم مقاضاة مجلس بابل.”

وتابع:

“كيف يتم استقطاع أراضٍ من محافظة الأنبار ويمر مرور الكرام؟ وحتى بيان رئيس مجلس محافظة الأنبار مخجل، وأي ثناء يكون بهذا الأمر؟ وعلى العموم التصرفات التي صارت دون المستوى المطلوب ويجب مراجعتها.”

من العودة إلى الأرض والحدود.. ملف يتسع

وهكذا، يعود ملف جرف الصخر إلى الواجهة بأكثر من مسار في وقت واحد: مطالبات مستمرة بعودة الأهالي، ورواية قدمها أعياد الطوفان عن تحركات سياسية بدأت منذ عام 2019 ودور محمد الحلبوسي والمفاوضات التي جرت بشأن العودة، وموقف معلن لمحافظ بابل علي تركي يرفض العودة وفق المبررات التي طرحها، وقضية ناحية سوراء التي أثارها زيدون السلماني، وصولاً إلى تصريحات عدنان الجنابي والتحرك القانوني الذي أعلنه أنور العلواني.

وبين المواقف المتعارضة، يبقى ملف جرف الصخر مفتوحاً بعد أكثر من عقد على نزوح أهلها، فيما تتجه القضية مجدداً من التصريحات والمنابر الإعلامية إلى ساحات السياسة والقانون، تحت عنوان عاد ليتصدر النقاش بشأن المنطقة: #الأرض_لأهلها.

 

أعداد : هيئة التحرير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى