مقالات

واشنطن وطهران؛ تصدير انفجار الأزمة إلى المستقبل

مصطفى كامل 

تبدو مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران التي وقّعها الرئيسان الأميركي دونالد ترمب ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان- فجر اليوم الخميس 18/6/2026- تبدو في جوهرها- أقرب إلى صيغة تهدئةٍ اضطراريةٍ مستعجلةٍ منها إلى اتفاق استراتيجي مكتمل. فهي لم تُولَد من رؤيةٍ طويلة المدى لإعادة رسم العلاقة بين الطرفين، بقدر ما جاءت تحت ضغط لحظةٍ إقليميةٍ شديدة التوتر كادت أن تنزلق إلى مواجهةٍ مفتوحةٍ تهدّد أمن الطاقة العالمي واستقرار الممرّات البحرية.

فمن الواضح أن هذه المذكّرة لم تُبنَ على أرضيةٍ استراتيجيةٍ مستقرةٍ، بل صيغت تحت ضغط الخوف من حربٍ إقليميةٍ واسعةٍ كان يمكن أن تعيد رسم خريطة الأمن والاقتصاد والاستقرار في الخليج العربي دفعةً واحدة. لذلك جاءت أقرب إلى “تجميد مؤقت للأزمة” لا إلى حلّها.

فبعد أسابيع من التصعيد والمواجهة العسكرية والقلق العالمي بشأن أمن الطاقة وحرية الملاحة بدا أن الأولوية عند الرئيس الأميركي لم تكن إعادة صياغة الشرق الأوسط بعيدًا عن هيمنة نظام ولاية الفقيه في إيران وأذرعه الإرهابية في العراق واليمن ولبنان، ولا حلّ جميع الملفات العالقة مع إيران، بل منع الانفجار الكبير الناجم عن الحرب وليس المسبّب لها!

أي أن الهدف الأكثر إلحاحًا كان احتواء الأزمة وإعادة فتح مضيق باب العرب (هرمز) وضمان تدفّق التجارة العالمية والنفط. وقد تحقّق ذلك، أو على الأقل تحقّق الحدّ الأدنى منه ومرحليًا فقط.لكن السؤال الحقيقي لا ينتهي هنا، بل لعلّه يبدأ من هذا الموضع بالضبط.

فالتاريخ يُعلمنا أن التوصّل إلى اتفاقٍ ما غالبًا ما يكون أسهل من تنفيذه التوقيع لحظةٌ سياسيةٌ تُنقل إلى العالم عبر بهرجةٍ إعلامية، أما التنفيذ فهو مسارٌ طويلٌ من الصراعات والمساومات، واختبار الإرادات، وإعادة التفسير، والخلافات وما يبدو متفّقًّا عليه على الورق قد يتحوّل إلى عشرات الأزمات عند محاولة تطبيقه على الأرض.

لهذا السبب، تبدو المذكرة أقرب إلى وقف اندفاع الأزمة منها إلى وضع أسس تسويةٍ نهائيةٍ لها.

فالعديد من الأسئلة الجوهرية لا تزال معلّقة:

ما هو مستقبل البرنامج النووي الإيراني؟

ما حدود النفوذ الإقليمي الإيراني؟

ما مصير الشبكات المسلحة المرتبطة بطهران في المنطقة؟

ما هي الضمانات الحقيقية التي تحول دون عودة التصعيد بعد سنوات قليلة؟

هذه الأسئلة ليست تفصيليةً أو عابرة، بل هي جوهر الصراع نفسه، والإجابة عنها مطلوبةٌ في كل مكانٍ وعلى الفور.تقوم المذكرة- وفق ما هو معلنٌ من مضمونها العام- على ثلاث ركائز رئيسية: خفض التصعيد العسكري غير المباشر في الخليج العربي، فتح قنوات تفاوضٍ تقنية حول البرنامج النووي الإيراني، وترتيباتٍ مؤقتةٍ تتعلق بحرية الملاحة في مضيق باب العرب (هرمز) مقابل تخفيفٍ محدودٍ– لكن غير واضح المعالم- لبعض القيود الاقتصادية الأميركية المفروضة على نظام طهران.

غير أن ما يبدو بسيطًا على الورق يُخفي شبكةً معقّدةً من التناقضات السياسية والأمنية التي تجعل تنفيذ هذه المذكرة اختبارًا مفتوحًا ومحاولةً- من كلا الطرفين- لشراء وقتٍ؛ أكثر منه تسويةً نهائيةً لأزمةٍ عالميةٍ أو سبيلًا إلى تلك التسوية.

في لحظة توقيعها، كان الهدف الأميركي المباشر واضحًا: تجنّب توسّع المواجهة العسكرية، وضمان استمرار تدفّق الطاقة عبر الخليج العربي، خصوصًا بعد أن تحوّلت التهديدات المتبادلة إلى ما يشبه سياسة “حافة الانفجار“. لكن خلف هذا الهدف التكتيكي ظلَّ السؤال الأكبر حاضرًا:

هل نحن أمام حلّ للأزمة، أم مجرّد تأجيلٍ لها، وترحيلٍ للحظة انفجارها؟

بنودٌ تميل لصالح طهران، وإجابات مؤجلة عن أسئلة ملحّة

عند تفكيك مضمون المذكرة يبدو أن الجزء الأكثر وضوحًا فيها هو ما تقدّمه من مكاسب تدريجيةٍ لإيران؛ تخفيفٌ جزئيٌ للعقوبات، تسهيلاتٌ ماليةٌ مشروطة لكن بشكلٍ عائم، وفتح مسارٍ تدريجيٍ لإعادة دمج مؤسسات النظام في بعض القنوات الاقتصادية الدولية. في المقابل تبقى التزامات طهران الأمنية والإقليمية أقرب إلى عناوين عامةٍ غير مُلزمة، حتى في الملف النووي، وإغفالٌ تامٌ لبعض أهم الملفات خاصة فيما يتعلق بملف الأذرع الإرهابية المسلحة في المنطقة.

هذا الاختلال البيّن بين الالتزامات والمكاسب يثير إشكاليةً جوهريةً يمكن تلخيصها في السؤال التالي:

هل يؤدي تخفيف الضغط الاقتصادي إلى دفع إيران نحو تعديل سلوكها الإقليمي، أم العكس تمامًا، أي توفير هامشٍ أوسع لها لتعزيز نفوذها عبر أدواتها التقليدية في الإقليم؟

الحقيقة أن المشكلة هنا ليست في فكرة التهدئة- فهذه مطلوبة في ظلّ الظروف الحالية المعروفة- بل في عدم التوازن بين ما هو مُلزمٌ وما هو مفتوحٌ للتأويل. فكلما كان التنفيذ مرنًا وغامضًا زادت قدرة طهران على إعادة توظيفه بما يخدم تعزيز نفوذها الإقليمي بدل تقييده. ففي ظلِّ غياب آليات تحقّقٍ صارمة، ومع الطبيعة التدريجية وغير المشروطة لبعض بنود التنفيذ، ومع الفهم الواقعي لمسار سلوك النظام الإيراني تبدو المذكرة أقرب إلى إعادة تموضعٍ تكتيكيٍ من جانب طهران وليس تحوّلًا استراتيجيًا في سلوكها.

انقسام داخل واشنطن؛ اتفاق بلا إجماع

الأهمُّ على الصعيد الأميركي الداخلي أن المذكرة لم تُولد في بيئةٍ أميركيةٍ متماسكة. فداخل الإدارة الأميركية نفسها برز تباينٌ واضحٌ في المواقف. ففي أوساط الحزب الجمهوري- وخصوصًا بين التيار المحافظ التقليدي- وُجهت انتقاداتٌ حادةٌ للمذكرة باعتبارها “تنازلًا غير مضمون النتائج” يمنح طهران فرصةً لالتقاط الأنفاس- وربما أكثر- دون تغيير سلوكها الإقليمي.

أما داخل مؤسسات الدولة العميقة/ الصلبة فقد ظهرت تحفّظات من وزارتي الخارجية والدفاع على حدٍّ سواءٍ تركّزت حول نقطتين أساسيتين:

• غياب آليات تحقّقٍ صارمةٍ من التزامات إيران

• عدم وضوح حدود التنازلات الاقتصادية المقدّمة لنظام طهران.

وفي أوساطٍ مرتبطةٍ بـوكالة المخابرات المركزية طُرحت مخاوف أكثر حساسيةً تتعلّق بجدّية إيران في تقديم التنازلات التي تعهّدت بها خلال التفاوض حول المذكرة، وبإعادة تمكين إيران ماليًا قبل معالجة شبكة نفوذها الإقليمي بعبارةٍ أخرى: لم تنشأ هذه المذكرة من رؤيةٍ أميركيةٍ موحّدةٍ تجاه إيران، بل من توازنٍ هشٍّ داخل منظومة القرار نفسها، حيث تتفّق المؤسسات الكبرى في واشنطن على القلق من المسار التفاوضي الحالي- الذي قاده نائب الرئيس جي دي فانس وساهم به الوسيطان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر- كما تتفق على ضرورة أن يكون شكل التعامل مع إيران مختلفًا عن الصورة التي بدت في المذكرة.

فوزارة الخارجية– التي تميل عادةً إلى مسار التهدئة ومنع الانفجار- نجدها في هذا الملف تتحفّظ على أيِّ اتفاقٍ لا يفرض التزاماتٍ صارمةٍ وقابلةٍ للتحقّق. في المقابل ينظر “البنتاغون” إلى أيَّ تخفيفٍ للضغوط على إيران من زاوية ميزان القوى الإقليمي وقدرة الردع، بينما تتعامل أجهزة الاستخبارات مع الملف من منظورٍ أكثر تشكّكًا قوامه السؤال عمّا ستفعله طهران بعد الحصول على هامش تنفّسٍ اقتصاديٍ وسياسي؟

هذه ليست مواقف متطابقةٍ بالتأكيد، فلكلِّ مؤسسةٍ دوافعُها وصيغُها في التعامل مع الملفات المطروحة، لكنها تلتقي على نتيجةٍ واحدة: عدم الثقة بالصيغة النهائية للمذكرة كما وقّعها الرئيس.

وهنا تحديدًا تتشكّل فكرة “حل الوسط السياسي”. فحين لا تصل واشنطن- المؤسساتية- إلى إجماعٍ كاملٍ حول سياسةٍ واحدةٍ لا يُنتج القرار خيارًا حاسمًا، بل يُعاد تشكيله في صورة وثيقةٍ هجينةٍ تحمل لغةً دبلوماسيةً مرنة، وإشاراتٍ أمنيةٍ مطمئنةٍ- إلى حدٍّ ما-، وصياغاتٍ غامضةٍ تسمح لكل طرفٍ داخل المؤسسة الأميركية بأن يقرأها بطريقته الخاصة التي اعتاد على قراءة الأحداث من خلالها، وبذلك تكون النتيجة ليست اتفاقًا صلبًا، بل نصًّا سياسيًا متعدد المستويات:

مستوى تهدئة يخاطب الخارجية

ومستوى ردعٍ غير مباشرٍ يخاطب البنتاغون

ومستوى غموضٍ محسوبٍ يخاطب هواجس وكالات الاستخبارات.

لكن هذا التوازن الداخلي له ثمنٌ واضح؛ فكلما زادت الحاجة لإرضاء الأطراف داخل واشنطن تراجعت دقّة الالتزامات في الاتفاق نفسه، وبالتالي ازدادت مساحة التأويل عند التطبيق.

لذلك لا تبدو المذكرة انعكاسًا لإرادةٍ سياسيةٍ أميركيةٍ واحدةٍ بقدر ما تبدو نتيجة الحد الأدنى الممكن بين مؤسساتٍ تتفّق على تجنّب الحرب، لكنها لا تتفّق على شكل السلام مع إيران.

وهنا بالضبط يكمن جوهر هشاشة هذه المذكرة على الصعيد الداخلي الأميركي، فهي لم تُبْنَ على قناعةٍ استراتيجيةٍ مشتركةٍ بل على إدارة خلافٍ داخليٍ نُقل إلى نصٍّ خارجي.

صحيحٌ أن الرئيس الأميركي كان يريد إعادة ترتيب البيت الداخلي- الأميركي عمومًا وداخل الحزب الجمهوري خصوصا- لذا استعجل التوصّل إلى مذكرة تفاهمٍ مع إيران ليُسكِت منتقديه في الحزب الديمقراطي، وليضمن لحزبه الجمهوري موقفًا أقوى ضد منافسيه في انتخابات الكونغرس النصفية المقرّرة في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، لكن ما لم يكن في حسابات ترمب أن توقيع مذكرة التفاهم بهذه الصيغة مع إيران لن يُطفئ الجبهة الداخلية المناهضة للحرب والتي يقودها الديمقراطيون المنافسون ووسائل إعلام أميركية شرسة، بل سيعيد إشعالها من جديد، وبحدّةٍ أكبر هذه المرة.

فبدل أن يكتفي بامتصاص انتقادات الحزب الديمقراطي، سيجد ترمب نفسه أمام جبهةٍ أوسع داخل معسكره السياسي نفسه هذه المرة.

فقد برزت اعتراضاتٌ واضحةٌ من قياداتٍ جمهوريةٍ بارزةٍ في الكونغرس ومجلس الشيوخ، حيث عبّر عددٌ من رموز الحزب التقليديين- إلى جانب جناح الأمن القومي داخل الحزب- عن رفضهم للمذكرة باعتبارها “تنازلًا غير محسوب” يمنح إيران هامشًا اقتصاديًا وسياسيًا دون ضماناتٍ كافيةٍ لتغيير سلوكها الإقليمي. وذهب بعضهم إلى اعتبارها إعادة إنتاجٍ لسياسات احتواءٍ غير مكتملة تُضعف منسوب الردع الأميركي بدل أن تعزّزه.

هذا الموقف داخل الحزب الجمهوري يزيد أهميةً عن معارضة الديمقراطيين، لأنه يكشف أن الاتفاق لم ينجح في تحويل الملف الإيراني إلى نقطة قوةٍ سياسيةٍ لترمب، بل جعله محور انقسامً داخل البيت السياسي الذي يُفترض أنه داعمٌ له. وهكذا يجد الرئيس نفسه أمام معادلةٍ معقدة: ضغطٌ من المعارضة التقليدية، وتحفّظٌ من مؤسّسات الدولة الأساسية، واعتراضٌ من داخل قيادات حزبه، وهجماتٌ إعلاميةٌ شرسة، في ملفٍّ يُفترض أنه كان يريد توظيفه لتعزيز موقعه السياسي قبل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة!(إسرائيل).. ملف يصطدم بترمب من الداخل

لكن ربما لا يأتي التحدي الأخطر الذي سيواجه الإدارة الأميركية فقط من داخل الحزب الجمهوري أو مؤسسات الدولة، بل من ملفٍ أكثر حساسيةً في السياسة الأميركية بالمجمل، أمن (إسرائيل) أعني.

ففي (إسرائيل) يُنظر إلى هذه المذكرة باعتبارها مخاطرةٌ استراتيجيةٌ بالغةٌ، لأنها تخفّف الضغط على إيران في لحظةٍ تعتبرها تل أبيب فرصةً لقطع دابر شرورها، كما تعتبرها كشفًا لظهر (إسرائيل) بدل حمايته!

وهذا الاعتراض لن يبقى خارجيًا، بل سينتقل مباشرةً إلى الداخل الأميركي عبر الكونغرس وقوى الضغط المؤثرة (اللوبيات) والزعماء السياسيين ومراكز المال.

وهنا تكمن الإشكالية السياسية للرئيس الأميركي؛ أيَّ تصعيدٍ (إسرائيليٍ) أو توترٍ أمنيٍ في المنطقة سيُترجم فورًا إلى ضغطٍ داخليٍ عليه، باعتبار أن خصومه سيقدّمون المذكرة باعتبارها اتفاقًا “أضعف حليف واشنطن الأهم، وأضاف عوامل قوة لصالح عدو أميركا و (إسرائيل) الأخطر في الشرق الأوسط”. وهذا ما يجعل الاتفاق ملفًا مفتوحًا للصراع السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها بدل أن يكون نقطة تهدئة كما يتمنى ترمب.

وهذا يعني أن الرئيس لن يواجه- في تداعيات هذه المذكرة- إيران وحدها، ولا مناكفات السياسة الأميركية الداخلية فحسب، بل سيواجه أيضًا ارتدادات الموقف (الإسرائيلي)- الرافض للمذكرة تمامًا- الممتدّة بعمق داخل بنية السياسة الأميركية الداخلية.

وبعبارةٍ أخرى: بينما تهدّئ المذكرة الجبهة المشتعلة فإنها تفتح جبهاتٍ أخرى، داخل واشنطن، داخل العلاقة مع (إسرائيل)، وداخل حسابات التوازن الإقليمي في الخليج العربي وفي الشرق الأوسط كله.

لذلك، فإنَّ السؤال الحقيقي هنا ليس هل نجحت المذكرة في تجنّب الحرب؟ بل: كم جبهةٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ فتحتها بدلًا من الجبهة القائمة بالفعل؟

 

الموقف السعودي تهدئة.. لكن بلا أوهام

في المقابل، جاء الموقف السعودي- وهو الأقوى خليجيًا وعربيًا وإقليميًا- أكثر اتّزانًا ووضوحًا، إذ عبّر وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان عن دعم أيِّ مسارٍ يخفّف التصعيد في المنطقة ويمنع الانزلاق إلى حربٍ جديدة، لكنه شدّد في الوقت نفسه على ضرورة معالجة جذور التوتر وليس فقط إدارة نتائجه، أو تكريس تلك النتائج لتكون “واقع حال”، أي دون الانخداع بفكرة أن التفاهمات الجزئية يمكن أن تحلَّ أزمةً إقليميةً ممتدةً لعقود.

في هذا السياق تركّزت الرؤية السعودية على نقطتين أساسيتين: الأولى تتعلّق برفض مبدأ الاستثمار لإعادة إعمار إيران الذي ورد في المذكرة بتقديراته الضخمة التي لا تقلّ عن 300 مليار دولار- كما نصّت المذكرة- مع التساؤل عن الأساس الواقعي لهذه القضية في ظلِّ عدم الثقة الناجمة عن العدوان الإيراني الذي استهدف السعودية ودول الخليج العربي الأخرى والأردن.

أما النقطة الثانية فتتعلّق بمضيق باب العرب (هرمز) حيث شدّدت الرياض على أن استقرار الملاحة الدولية لا يمكن أن يُترك رهينة تفاهماتٍ مؤقتةٍ بين واشنطن وطهران، بل يجب أن يكون على وفق السياق الذي كان معمولًا به قبل الحرب دون تعديل، ولا داعي للتفاوض حول هذا الموضوع، “وكفى” بحسب الوزير ابن فرحان.

 

المخاوف العربية من إدارة أزمةٍ لا إنهائها

من منظورٍ عربيٍ أوسع- وخصوصًا في الخليج العربي- لا تتعلّق الإشكالية بفكرة التهدئة بحدِّ ذاتها، بل بطريقة إدارتها. فالتجربة التاريخية في المنطقة تُظهر أن الاتفاقات التي تُبنى على تأجيل القضايا الجوهرية كثيرًا ما تعود لتنتج أزمات أكثر تعقيدًا في وقتٍ لاحق.

ويمكن تلخيص المخاوف العربية الأساسية في ثلاث نقاط:

أولًا: احتمال إعادة تمكين إيران اقتصاديًا دون ضبطٍ واضحٍ لكيفية استخدام الموارد المفرَج عنها.

ثانيًا: استمرار الغموض حول مستقبل النفوذ الإيراني في الإقليم.

وثالثًا: غياب مقعدٍ عربيٍ مباشرٍ في صياغة الترتيبات التي ستنعكس بشكلٍ مباشرٍ على الأمن القومي العربي والأمن الإقليمي كله بما يشمل تركيا.

والخليجيون يتذكّرون جيداً تجارب سابقة كانت دول المنطقة فيها غائبةً عن طاولة التفاوض رغم أنها كانت حاضرةً بقوةٍ في قائمة النتائج والتداعيات.

ولذلك فإنّ الأسئلة التي تُطرح في العديد من العواصم الخليجية ليس: هل نجحت واشنطن في التوصل إلى تفاهمٍ مع طهران؟ بل:

ماذا قدّمت واشنطن مقابل هذا التفاهم؟

وهل ما قدّمته واشنطن سيكون على حساب أمنهم واستقرارهم وازدهارهم؟

وهل تم التعامل مع السلوك الإقليمي الإيراني باعتباره جزءاً من المشكلة أم جرى تأجيله إلى مرحلة لاحقة؟

كما أن هناك مخاوف أخرى لا تقلُّ أهمية. فحيث تضمّنت المذكرة تخفيفاً للعقوبات أو إعادة دمج الاقتصاد الإيراني تدريجيًا في النظام المالي العالمي فإن ذلك قد يفتح الباب أمام تدفقاتٍ ماليةٍ ضخمةٍ نحو إيران. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ستُستخدم هذه الموارد في إعادة بناء الاقتصاد الإيراني فقط، أم أنها ستنعكس أيضًا على موازين القوى الإقليمية؟

ويزداد هذا التساؤل أهميةً عندما نتذكّر أن كثيرًا من الصراعات العربية خلال العقود الماضية ارتبطت بشكلٍ أو بآخر بالتنافس الإقليمي بين إيران وجيرانها، أو بالأحرى بتعدّي إيران على جيرانها.

وتبرز هنا مفارقة لافتة، فإذا كانت غالبية الأهداف التي تعرّضت للقصف خلال الحرب أهدافًا عسكريةً مباشرةً أو مرتبطةً بالبنية الأمنية والعسكرية الإيرانية فإن الحديث عن مئات المليارات المخصّصة لـ “إعادة الإعمار” يثير تساؤلاتٍ مشروعة: إعادة إعمار ماذا تحديدًا؟ وهل المقصود معالجة آثار الحرب فقط، أم أن هناك تصورًا أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد الإيراني وإعادة تأهيل الدولة الإيرانية ودمجها من جديد في الاقتصاد العالمي؟

الإجابة عن هذا السؤال ستكشف الكثير من الأهداف الحقيقية للمذكرة.

لكن ربما يكون القلق العربي الأعمق متعلّقاً بشيءٍ آخر تمامًا: الخشية من العودة إلى نموذج إدارة الأزمات بدلًا من حلّها. أي الوصول إلى تفاهماتٍ تؤجّل المشكلات الكبرى دون أن تعالج أسبابها الأصلية، فالتاريخ الحديث للمنطقة مليء بالاتفاقات التي نجحت في إيقاف تصعيدٍ ما مؤقتًا، لكنها فشلت في إزالة العوامل التي أنتجته.

ختاما

في النهاية مذكرة واشنطن وطهران ليست تسويةً نهائيةً بقدر ما هي محاولةٌ لإدارة خطرٍ داهمٍ بانتظار خطرٍ لاحق، كما أن نجاحها الحقيقي لن يُقاس بلحظة التوقيع عليها، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبار التنفيذ، وهو اختبارٌ غالبًا ما يكون أكثر قسوةً من المفاوضات نفسها.

ويبقى هناك سؤالٌ مفتوح:

هل تمثّل هذه المذكرة بداية مسار تهدئةٍ مستدام، أم أنها مجرّد استراحةٍ مؤقتةٍ في صراعٍ لم تُعالج جذوره ولا نتائجه بعد؟

والإجابة على هذا السؤال الجوهري لن تأتي من نصوص المذكرة، بل من سلوك الأطراف الموقّعة عليها أو المعنية بها- ولو بشكلٍ غير مباشرٍ- في المرحلة المقبلة، وغالبًا في أقرب احتكاكٍ بين الطرفين.

ولكن الإجابة الأقرب إلى الواقع هي أن المذكرة لن تأتي بخيرٍ لأنها لم تحسم ملف الشر من جذوره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى